مكتبة مكة المكرمة ذكريات الزمان والمكان
مكتبة مكة المكرمة
ذكريات الزمان والمكان
بعد أداء الصلاة بالمسجد الحرام عدت سالكا الطريق عبر التوسعة العظيمة للحرم الشريف من الجهة الشرقية جهة الصفا والمروة ، ولكن شدني واستوقفني مبنى مكتبة مكة المكرمة (المولد النبوي الشريف) وكأنني أراه لأول مرة ، قلبت نظري بالمكان باستدارة كاملة شعرت عندها بحنين الماضي وذكريات الأمس القريب ..
وليس الهجر يؤلمني ولكن
جمال الذكريات يهز قلبي ..
وقفت أتأمل كيف أن المكان حول المكتبة في نحو أربعين سنة قد تغيرت معالمه تغيرا كاملا
فهذا المكان وذا الطريق ذاته كنت أسلكه يوميا تقريبا ذهابا وإيابا للحرم الشريف
أواه من نار الحنين إذا ذكت
في قلب مشتاق وثار لظاها ..
فلي حول هذا المكان المبارك ذكريات سعيدة ، وبركات عديدة ، فأحببت أن استنشق عبق الماضي القريب واستعيد بعض ذكريات الزمان والمكان وأتنفسها في خاطرة سريعة ..
فمن ذكريات الزمان والمكان
أنني عملت خلف المولد قريبا منه بأيام الحج بسطة للشاهي والحليب والكعك بالإشتراك مع زميلين آخرين - وهذا ديدن المكيين فيما مضى التسبب بعمل مفيد يخدمون من خلاله الحاج ويجرون لأنفسهم نفعا ، صغارا وكبارا ، وبحمد الله وجدنا العون الإلهي وبركة طلب الرزق الحلال ، وكنا على حداثة أعمارنا نمتليء سرورا بالعمل وإسعاد ضيوف الرحمن وقد اكرمنا الله بالرزق والنفع والبركة فوق ما تأملنا ثلاثتنا ، وذلك من بسطة صغيرة ولله الحمد والمنة ..
ومن ذاكرة الزمان والمكان
اننا كنا نسمر على جبل الشعب فوق الأنفاق وعلى أبي قبيس خلف المولد الشريف ، وكانت المنطقة مأهولة بالسكان وبها غالب الخدمات وجملة الاحتياجات ، وكان يزداد سهرنا وسمرنا وسحورنا ليالي رمضان فقد كانت ليالي أنس وبهجة مع مواكب المعتمرين وأصوات مدافع الإفطار والإمساك ، والأذان للصلوات وكنا من شدة الزحام نصلي بعض الفروض والتراويح أو التهجد زاوية المولد من على الجبل في مشهد عظيم يطل على صفوف المصلين المنتظمة فتنشرح صدورنا ونسعد أوقاتنا ..
ومن ذكرى الزمان والمكان
أننا كنا نستقي ونحتفي بماء زمزم ونشرب ونتبرد ونتغسل من السقاية المجاورة للمولد الشريف ، وكان الناس يتزودون بماء زمزم منها لبيوتهم ..
ومن ذكريات الزمان والمكان
تكرار الزيارة لمكان المولد الشريف والانتفاع بالمكتبة العلمية المتنوعة لعلماء مكة المكرمة ، وقد كان شيخنا وأستاذنا عبدالكريم الخراشي رحمه الله رحمة الابرار حفيا بنا ومرحبا بزياراتنا المتكررة ويسقينا زمزما من يده ويشملنا بدعوته ، كما كان كريما معنا بكونه أحد المشرفين على المكتبة فيسهل لنا الوصول إلى مكان المعلومة والكتاب المناسب ، ويبهجنا بأحاديثه وظرفه ، وهو العابد الزاهد المبتسم الخلوق عليه رحمة الله
ومن ذكريات الزمان والمكان
أن دار المولد النبوي الشريف حيث صارت مكتبه علمية ومنارة معرفية جمعت إلى قيمتها ومكانتها الإسلامية والتاريخية مكانه حضارية علمية عالمية بما تضمنته من كنوز الكتب والمخطوطات والدوريات المختلفة ، وهنا لا بد من الإشادة بحقيقة تذكر فتشكر للملك المؤسس عبد العزيز آل سعود رحمه الله حين جعل من المكان منار علم بمنحه الارض للشيخ عباس، قطان رحمه الله لبناء مكتبه يؤمها ويقصدها العلماء والباحثون وطلاب العلم ، ينهلون من معينها ويتزودون من مراجعها وعلومها ..
ومن أولئك المهتمين بالمكتبة والمستفيدين منها شخصية مكية علمية قديرة أدركتها وشاهدتها وهي تكثر الخطى للمكتبة وتكرر الزيارة لها لتستفيد وتفيد غيرها ، إنه فضيلة شيخنا علامة مكة المكرمة الأستاذ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان يرحمه الله حيث وضع لنفسه جدولا أسبوعيا عمليا قسمه بين الاستفادة والبحث العلمي وبين الإفادة والمساهمة في فهرسة المكتبة وترتيبها وتنظيم أمورها مع الفضلاء والقائمين على شؤونها ، وقد أثمرت هذه الزيارات المنتظمة والاستفادة العلمية من المراجع والكتب المختلفة عددا من المشاريع والبحوث العلمية والتي أغنت طلاب العلم معرفيا ، ومنها تأليفه الحافل الشامل ودراسته لمكتبة مكه المكرمة نفسها ، لموقعها وتاريخها ومجموعاتها ، وهو بهذا -كما أسلفت- ممن استفاد وأفاد وأجاد .. يرحمه الله ...
ومن ذكريات الزمان والمكان
وعلى مقربة من مكتبة مكة المكرمة حين بدأت عمليات الحفر وتوسعة الحرم الشريف وظهور بيت السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها كنا نحشر أنفسنا ونتخطى الناس كلما سنحت لنا فرصة عند مداخل السور والحواجز المحيطة لعلنا نحظى برؤية شيء من الآثار ، أو مشاهدة البناء القديم ...
ومن ذكريات الزمان والمكان
في وقت الحفر وتوسعة الحرم الشريف ذاتها ظهرت خزنة سوداء ثقيلة الوزن من الحديد الشديد وضعت على الشارع العام عند مدخل سوق الأمير عبد الله الفيصل نهاية شارع الغزة وقبل الحرم بجوار محل للآيس كريم هناك ، فكنا نخرج من قلب شعب عامر وبئر الحمام ونأتي لنشاهد هذه الخزنة والتي كثر الكلام حولها حتى ظن الظان أنها من كنوز سليمان ، واتضح فيما بعد أنها خزنة تخص آل الصيرفي العم صالح صيرفي رحمه الله ، وكان يضع فيها المال والأوراق المهمة حيث كان له محل للصرافة بالموقع ، وكانت قد نسيت وطمرت أثناء الحفر فطلبت بعد ذلك واستخرجت بعد العثور عليها تحت الأرض
وبالمناسبة هي موجودة اليوم ومعروضة ضمن متحف عم صالح صيرفي الشخصي بمتاحف المداد بجدة بارك مول وقد أفاد الفاضل المهندس أنس صيرفي بما ذكرته هنا في زيارة للمتحف ولقاء مسجل معه يحفظه الله ..
ومن ذكريات الزمان والمكان
ما أتذكره من التكافل الاجتماعي وبذل المعروف من الصدقات والخيرات التي توزع على مدار العام ومواسم الخير بشهر رمضان والحج من تمر ولبن وخبز وفاكهة وغير ذلك ، ولا أنسى إن نسيت سيارة الشربتلي الكبيرة وهي توزع خبز الصامولي وذلك الطابور (الصف) الطويل من رجال ونساء وكبار وصغار وكل يأخذ ما يحتاجه ، وأحيانا يضاف مع الصامولي حبات من جبنة المثلثات ..
وبعد ..
أماكن سكناها ، وأوقات عشناها ، وأحداث شاركناها ... ثم ..
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم ما كانوا ..
ذكريات المكان أمان ، والزمان مولد سيد ولد عدنان ..
والله المعين والمستعان ..
بقلم : محمد كريم بخش | مكة المكرمة
٩ / ٣ / ١٤٤٨هـ
0 تعليقات