ليلة الوفاء المكيّة: تكريمٌ يليقُ بقامةٍ علميّة

ليلة الوفاء المكيّة: تكريمٌ يليقُ بقامةٍ علميّة

في ليلةٍ من ليالي الوفاء التي لا تُنسى اجتمعت القلوب قبل الوجوه .. وازدانت جدة بحضورٍ كريمٍ من وجهائها وأهلها، ومن مكة المكرمة والمدينة المنورة .. ليشهدوا مشهدًا إنسانيًا رفيعًا عنوانُه: البرّ والوفاء وحسن العِشرة وصدق العهد.

كانت ليلة تكريمٍ صنعتها النفوس الكبيرة: حين نهض خالي العزيز الأستاذ فؤاد بن محمد حلمي ليكرّم الأستاذ الدكتور أمين بن صالح كشميري - زميل خالي المرحوم الدكتور أحمد محمد حلمي (غفر الله له ورحمه) - تكريمًا يتجاوز البروتوكول إلى المعنى ويتجاوز الكلمات إلى القيم.

لم يكن التكريم مجرد لحظةٍ عابرة بل كان ردًّا للفضل لأهله واعترافًا بأن الرجال العظام لا تُختزل سيرتهم في منصبٍ أو لقب .. بل تُقرأ في أثرهم: في طلابٍ صنعوهم وفي أقسامٍ أسّسوها وفي مواقفٍ صارت مدرسة وفي “قِيَم” ظلّت تمشي على الأرض باسمهم.

وفي تلك الليلة .. كان الوفاء حاضرًا بصوتٍ واضح:
وفاءٌ لزمالةٍ قديمةٍ طاهرة ووفاءٌ لذكرى الغائب العزيز الذي خلّف سيرةً طيبة ووفاءٌ للمحتفى به الذي ما غادر العلمُ قلبَه يومًا حتى وهو يقول “تقاعدٌ شكليّ” .. لأن الرسالة لا تتقاعد.

وقد جاء سردُ سيرته في خاطرةٍ مؤثرة- شرفني خالي الغالي فؤاد محمد حلمي - كأنها رحلةُ ضوءٍ عبر محطات حياةٍ مليئة بالعطاء: من مكة المكرمة مولدًا وجذرًا إلى وظائف الأعضاء تخصصًا وعلماً إلى الأستاذية ثم إلى تأسيس البرامج والمراكز وصناعة الحوكمة وخدمة أخلاقيات الطب من منظورٍ إسلاميٍّ رصين .. حتى بلغ اسمه مكانًا يستحقه في المحافل الدولية ليس بالشعار بل بالعمل الهادئ العميق.

ونصت الخاطرة على ما يلي:

"الأستاذُ الدكتور أمينُ صالحٍ كشميري .. يا قامةَ العلمِ الوَفِيّ
مكّيُّ مولدِكَ (١٣٦٤هـ) وبمكّةَ طابَ فيكَ الأصلُ النَّقِيّ

تلقّيتَ في مدارسِها أولَ الحرفِ ثم سرتَ للمعنى سعيًا ذَكِيّ
حتى تخصّصتَ في وظائفِ الأعضاءِ فكنتَ فيها ضياءً سَنِيّ

نلتَ الأستاذيّةَ في أمِّ القرى (١٩٩٦م) ثم قلتَ “تقاعدٌ” شَكْلِيّ
لكنّ الرسالةَ ما تقاعدتْ .. بل زادَ عطاؤكَ أثرًا جَلِيّ

في أوكسفوردَ أسّستَ دبلومَ أخلاقٍ طبيّةٍ .. بميزانٍ إسلامِيّ
ثم للتخصصيِّ لبّيتَ نداءَ تأسيسِ القسمِ .. بقلبٍ حَيِيّ

وعُدتَ لدرامَ تُنشئُ مركزًا تحتَ الحوكمةِ .. صوتًا قَوِيّ
ثم لمركزِ الملكِ عبدِ اللهِ وضعتَ قسمًا وبرنامجَ ماجستيرٍ سَوِيّ

رأستَ تحريرَ منتدى أوكسفوردَ للبحوثِ .. قلمًا رصينًا نَدِيّ
وعُيّنتَ في لجنةِ اليونيسكو الدوليةِ .. عدلًا فكرًا نَقِيّ

وأخيرًا مجلسُكَ العالميُّ للأخلاقياتِ الطبيةِ الإسلاميةِ شاهدٌ أَبِيّ
ترأسُه اليومَ انتخابًا .. فاسمُكَ نهجٌ وأثرُكَ جَلِيّ

سلامٌ عليكَ: إذا ذُكِرَ العلمُ كنتَ بهِ خُلُقًا وعقلًا سَنِيّ

وسلامٌ عليكَ: إذا ضاقَ دربُ القرارِ كنتَ للناسِ نورًا جَلِيّ"

ثم اكتملت الصورة بجمالها الإنساني حين عرّف الحضور الكرام بأنفسهم وكأن المجلس يقول: هذه ليلة يجتمع فيها أهل المروءة على مائدة المعنى. وبعدها جاءت كلمة موجزة من الأستاذ الدكتور أمين بن صالح كشميري - مؤسس كلية الطب بجامعة أم القرى - كلمة تليق برجلٍ يزن عباراته بميزان الحكمة ويختصر كثيرًا من الفضل في تواضع العلماء ويجعل من الشكر ثقافةً ومن المحبة سلوكًا.

كانت ليلةً “كرّم فيها خالي الحبيب الجميع” - كما وصفت - لأن الكريم لا يوزّع التكريم بل يوزّع المحبة .. فيخرج كلُّ من حضر وهو يشعر أنه مُحتفى به وأنه جزءٌ من هذا الوفاء الجميل.

رحم الله خالي الدكتور أحمد محمد حلمي وجزاه عن زمالاته ومحبته خير الجزاء وبارك الله في خالي الأستاذ فؤاد بن محمد حلمي على هذا البرّ النبيل الذي يرفع قدر العائلة ويُعلي شأن القيم وأطال الله عمر الأستاذ الدكتور أمين بن صالح كشميري في طاعته وبارك في علمه وأثره وجعل ما قدّم في ميزان حسناته.

إنها ليلة تُعلّمنا أن:
العِلمَ إذا اقترن بالخلق صار نورًا والوفاء إذا سكن القلوب صار تاريخًا والبرّ إذا صَدَق صار سعادةً تُروى للأبناء كما تُروى أعظم الحكايات.

✍️
بقلم : أ.د. عصام إبراهيم أزهـر