لا أقول وداعًا… بل إلى لقاء / د.وليد فتيحي

لا أقول وداعًا… بل إلى لقاء
(في رثاء والدي عم صالح صيرفي رحمه الله)

في الساعة الثانية من فجر هذا اليوم، الأحد الثاني عشر من يوليو ٢٠٢٦م، أيقظني الله من نومي على رؤيا أعقبتها ذكريات متدفقة، فلم أستطع أن أعود إلى فراشي، وشعرت أن من الوفاء أن أكتب، وأن من حق رجلٍ أحسن إليّ وإلى آلاف المسلمين أن تُروى قصته، لا لأنها قصة تبرع، وإنما لأنها قصة قلبٍ سبق إلى الله.

قبل ثلاثة أيام فقط، في مساء الخميس التاسع من يوليو، ودعنا عم صالح صيرفي رحمه الله، فصلينا عليه في المسجد الحرام بعد صلاة المغرب، ثم شيعناه إلى مقبرة المعلاة، حيث وُوري الثرى في أطهر بقاع الأرض. ومنذ تلك اللحظة، لم تفارقني صورته، حتى أعادتني هذه الليلة إلى بداية حكاية امتدت أكثر من ثلاثين عامًا.

في أوائل التسعينات، وبعد أن أنهيت دراسة الطب في واشنطن، انتقلت إلى بوسطن لإكمال التدريب والزمالة. وكان أول ما سألت عنه بعد وصولي: أين يصلي المسلمون؟ فأُشير إليّ إلى غرفة صغيرة في بدروم كنيسة تابعة لجامعة MIT، خصصتها الجامعة للمسلمين ليجعلوها مصلى. دخلت ذلك المكان، وأدركت أن المسلمين في مدينة تضم أعرق جامعات العالم يستحقون بيتًا لله يليق برسالة الإسلام. ومن هناك بدأت رحلة طويلة، استطعنا خلالها، بفضل الله ثم بتعاون ثلة من الإخوة، شراء مبنى وتحويله إلى مسجد بين جامعتي هارفرد وMIT. وما هي إلا فترة وجيزة حتى ضاق المسجد برواده، وولد في نفوسنا حلم أكبر: أن نقيم مركزًا حضاريًا إسلاميًا يكون بيتًا لله، ومنارةً للعلم، وجسرًا للتعارف بين الإسلام والمجتمع الأمريكي.

وبعد جهد طويل استطعنا الحصول على أرض في قلب بوسطن، وخُفض ثمنها بعد أن قدمنا للمدينة مشروعًا متكاملًا لخدمة المجتمع، يجمع بين التعليم والعمل التطوعي وخدمة الجوار. بقيت بعد ذلك العقبة الأصعب، وهي تكلفة البناء، وكانت يومها تقارب سبعة ملايين دولار، وهو مبلغ بدا في ذلك الوقت أكبر من إمكاناتنا جميعًا. عدت إلى جدة أجمع التبرعات، وطرقت أبوابًا كثيرة، لكنني رجعت إلى بوسطن مثقل القلب، أشعر أن المشروع قد يتوقف قبل أن يبدأ.

ولما عدت، جاءني أحد المصلين يخبرني برؤيا رآها، وقيل له فيها: «قل لصاحبك أن يحج، فإنه لم يحج حجة الفريضة.» لم أتردد، وأدركت أن في الأمر إشارة، فأغلقت عيادتي، وأخذت إجازة، وانطلقت إلى الحج. وهناك ألقيت محاضرة عن الإعجاز العلمي في القرآن في خلق الإنسان، ثم طلب مني في اليوم التالي أن أعيدها في حملة أخرى بعد اعتذار محاضرها. ولم أكن أعلم أن الله قد كتب في ذلك المجلس بداية فصل جديد من قصة المركز.

بعد انتهاء المحاضرة، وقف أحد الحاضرين وقال: «يا دكتور وليد، هذه المحاضرة أولى أن يسمعها غير المسلمين، فهل لديكم في بوسطن مركز يقدم مثل هذه الرسالة؟» عندها عرضت صورة المشروع، وتحدثت عنه حديثًا مفصلاً ، فإذا بعم صالح صيرفي، رحمه الله، بعد الانتهاء من المحاضرة يسأل بصوت قوي ، وقد امتلأت عيناه بتلك القوة و  الذكاء و الصفاء الذي عرفته فيه منذ أول لقاء،: «كم تحتاج لتبدأ؟» فقلت: «مليون دولار.» فما تردد لحظة، وإنما قال كلمة لا تزال ترن في أذني بعد كل هذه السنين: «هي مني. أنا أدفعها »

لم تكن تلك الكلمة وعدًا بمال فحسب، بل كانت إعلانًا بأن هذا المشروع قد وجد من يؤمن به، وأن الله قد فتح له بابًا من حيث لم نحتسب. وما هي إلا لحظات حتى أعلن رجل كريم آخر، أسأل الله أن يجزيه خير الجزاء، تبرعه بمليون دولار أخرى، فانقلب اليأس رجاءً، وتحول الحلم من فكرة على الورق إلى مشروع قائم على أرض الواقع.

ولعل عم صالح لم يكن يعلم يوم قال: «أنا لها»، أن هذه الكلمة ستكون حجر الأساس لمشروع استغرق أكثر من عشر سنوات، وتجاوزت تكلفته ثلاثة عشر مليون دولار، وأصبح اليوم من أكبر المراكز الإسلامية في الولايات المتحدة، يرتاده آلاف المصلين أسبوعيًا، وتقام فيه الدروس والمحاضرات والبرامج التعليمية، ويهتدي فيه إلى الإسلام كل عام أناس من شتى الجنسيات والخلفيات. وما من ركعة تُصلى فيه، ولا آية تُتلى بين جدرانه، ولا قلب يهتدي إلى الله فيه، إلا وأرجو أن يكون لعم صالح منها أوفر الحظ والنصيب، لأنه كان أول من حمل هذا المشروع بقلبه قبل أن يحمله بماله.

لقد رأيت في علاقة عم صالح بي منذ عرفته مثالًا للمحبة الصادقة لله وفي الله وبالله ، فقد كان في غنى عني ولكنه أحبني محبة الوالد لإبنه. محبة من الله. وتذكرت فيه قول النبي ﷺ: 

( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.)

«وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ». 

ثم تحولت تلك المحبة مع الأيام إلى علاقة شعرت فيها أنني أمام أبٍ أكثر مني أمام متبرع أو داعم. زارني في بوسطن، واطمأن على المشروع بنفسه، وكان يفرح بكل خطوة يخطوها، وكأنما يبني بيتًا له.

ثم شاء الله أن تدور الأيام، فأصبح هو المريض، وأصبحت أنا أجلس عند رأسه في المستشفى وهو في غيبوبته. وكم مرة حدثته عن ذلك اللقاء الأول في الحج، وعن تلك الكلمة التي غيرت مسار المشروع، وكنت أرى الدموع تترقرق في عينيه، وأوقن أن القلب كان يسمع وإن عجز اللسان عن الجواب.

أسأل الله، يا عم صالح ، أن تجد يوم تلقاه ثمرة تلك الكلمة التي خرجت من قلبك خالصة لله، وأن يبني لك بها بيتًا في الجنة كما كنت سببًا في بناء بيت من بيوت الله في الأرض، وأن يجعل في ميزان حسناتك كل صلاة أقيمت فيه، وكل علم نُشر بين جدرانه، وكل إنسان عرف الإسلام أو ازداد به هدى بسببه.

أما أنا، فلن أقول لك وداعًا، لأن المؤمن لا يودع من يرجو لقاءه، وإنما أقول: إلى لقاء قريب، بإذن الله. فما الدنيا، كما وصفها ربنا، إلا ساعة من نهار نتعارف فيها، ثم نمضي إلى دار القرار، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾. وما أجمل ما كتب الله لي ولك من تعارف في هذه الساعة القصيرة، وما أعظم ما أرجوه من لقاء لا يعقبه فراق.

رحمك الله رحمة واسعة، وجزاك عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجمعنا بك في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وليد أحمد فتيحي
١٢ يوليو ٢٠٢٦