لا دار للمرء بعد الموت يسكنها

" لَا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُنُهَا " 
أحمد صالح حلبي 
ودعت مكة المكرمة يوم أمس الخميس 25 محرم 1448 هـــ  ابنها البار ، صاحب العطايا الإنسانية ، صالح حمزة صيرفي ، بعد رحلة كفاح بدأها من دكان والده في المسعى ، ومشوار طويل سجله بإيجاز كتاب (صالح حمزة صيرفي رحلة الكفاح في الصرافة والأعمال)، للأستاذ سعود بن عبدالعزيز التويم ، وكتب مقدمته صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز مستشار خادم الحرمين الشريفين  . 

وبين رحلة كفاح ومقدمة كتبت عادت بي الذاكرة إلى بداياتي الأولى في جريدة النـدوة ، لتذكرني بمقولته ـ رحمه الله ـ ، حينما كلفت بتغطية مناسبة وضع صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ حجر الأساس لإقامة مقر مركز جمعية الأطفال المعوقين بمكة المكرمة ، فوقف الشيخ صالح صيرفي ـ رحمه الله ـ يومها بعد إعلان تبرعه بالأرض للجمعية ، قائلا :  " سأكون داعما للجمعية طوال حياتي ، وأوصي أبنائي بمواصلة دعمها " . 

واليوم وبعد أن غادرنا الشيخ / صالح صيرفي ـ رحمه الله ـ ، تذكرت تلك الكلمات ووقفت متذكرا قول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه : 
لَا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُنُهَا 
 إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ بَانِيهَا
وبناء صالح صيرفي ـ رحمه الله ـ لداره بعد موته لم تكن منحصرة  في تبرعه لجمعية الأطفال المعوقين ، فهناك دموع محيت ، وابتسامات رسمت على شفاه أطفال ايتام ، ونساء أرامل ومطلقات ستروا بكسوته لهن  ، وتعبيرات رضا رسمها كبار السن على وجوههم بعد أن أعياهم المرض ، فوجدوا  من خلال  ( مؤسسة صالح حمزة صيرفي ) الغير ربحية ، ما يحتاجون إليه من خدمات في المجالات الاجتماعية والتعليمية والثقافية والصحية ، إضافة لدعم الأسر المحتاجة والأرامل والفقراء والايتام . 

وبعد دعم الأطفال المعاقين ، والأسر المحتاجة والأيتام ، جاء دعم العقل وبناء  الفكر ، فبرزت  مؤسسة المداد ليس لتكون مركزا ثقافيا يبرز الثقافة والتاريخ وحدهما  ، بل تعمل أيضا على إطلاق المبادرات الثقافية والتاريخية التي تتبناها من جهة ، ودعم المبادرات المجتمعية الأخرى والمساهمة في تحقيقها لإيصال رسائل إيجابية لخدمة المجتمع . 

وكان من أبرز ما تبنته المؤسسة المكتبات الوقفية ، فضمت  مكتبة الأستاذ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان ـ رحمه الله ـ الفقيه والمؤرخ والأديب ، وعضو هيئة كبار العلماء في المملكة ، وعميد كلية الشريعة بجامعة أم القرى سابقًا ، والحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية عام 1435هـ/ 2014م ، والتي تحوي  أكثر من 20 ألف كتاب ، إلى جانب مجموعة نادرة من المخطوطات والرسائل الجامعية ، وتتخذ من متحف المكتين بمؤسسة المداد مقراً لها ، لتكون مركزا لخدمة الباحثين وطلاب العلم.

اما المعارض التي عملت المؤسسة على إقامتها فشملت : متحف " دار الفنون الإسلامية " ، متحف المكتين ، متحف " جدة بوابة الحرمين " ، متحف الخط العربي ، متحف دار الشفاء ، معرض " تاريخ الحرمين بين الفرشاة والعدسة " ، معرض " الأميال الحجرية " ، معرض " خطاط المسجد النبوي " ، معرض " كان خلقه القرآن " ، معرض " آيات " ، معرض " ألف اختراع واختراع " ، معرض الأميال الحجرية ، جاليري المداد ، أكاديمية الخط العربي .

واليوم وبعد أن غادرنا الشيخ / صالح صيرفي ـ رحمه الله ـ أدركت أن ما قاله الأمام علي بن أبي طالب : 
لَا دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ الْمَوْتِ يَسْكُنُهَا 
إِلَّا الَّتِي كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ بَانِيهَا
وبناء صالح صيرفي لداره بعد موته ، لم ينحصر في تبرعه المالي أو العيني لجمعية الأطفال المعوقين وغيرها ، بل عمل على بناء عقول الشباب والناشئة ، وحفظ الإرث التاريخي والثقافي  . 

 وليس لنا إلا أن ندعو قائلين : اللهم ارحمه واغفر له ، واجزه عن المسلمين خير الجزاء وأكرم نزله ، ووسّع مدخله وتقبّله في الصالحين ، واجعل ما قدّمه في موازين حسناته ، واجعل عمله شفيعًا له ، واجزهِ خير الجزاء على ما قدَّم من خيرٍ وعلمٍ نافع.

وارحم موتانا ، واغفر لهم، وأكرم نُزُلهم، ووسِّع مُدخلهم، واجعل قبورهم روضةً من رياض الجنة، وأنِر لهم فيها، وارزقهم الرحمة والمغفرة بغير حساب ،  واجمعنا بهم في جنات النعيم . اللهم تجاوز عن سيئاتهم، وضاعف حسناتهم، وألحِقهم بالصالحين، وأكرمهم بلقاء وجهك الكريم، يا أرحم الراحمين.